مياده ابنة العراق
انقل هنا مقتطفات من الفصل الثامن من كتاب عن مياده العسكري للكاتبه جين ساسون
ومياده كاتبه وصحفيه عراقيه جدها لابيها هو جعفر العسكري وزير الدفاع ايام الملك فيصل وجدها من جهة الام هو المربي الفاضل ساطع الحصري
الدكتور فاضل البراك وعائلة مياده
كان عام 1999 كارثي بالنسبة لي ولعائلتي الصغيرة في بغداد.
وحيدة، نعم ولكن العراق كل العراق كان اهلي، ولم يزل، امي وابي.
وكما السمكة خارج الماء، لم اكن اتصور في اغرب احلامي باني ساغادر العراق في يوم من الايام.
التقيت في المركز الصحفي بوزارة الاعلام عام 1998 بالكاتبه جين ساسون وبالرغم من الحضر على عمل النساء مع الوكالات الاجنبيه الا ان جين اصرت على وجود امراءه ترافقها للبحث عن قصة امراءه عراقيه في ظل الحصار واختاروني لاكون المرافقه واصبحت فيما بعد صديقه حميمه لها
وفي 19 تموز 1999 تم توقيفي في مديرية الامن العامة الكائنة في منطقة البلديات.
وبطبيعة الحال انقطع الاتصال بيني وبين جين في فترة التغييب التي يعرفها كل من دخل الى غياهب ذلك المكان المخيف.
وعندما اطلق سراحي وخرجت مع ولدي الى عمان، توطدت العلاقة مع جين عبر الايميلات اليومية.
الى ان خرج الرئيس الامريكي جورج بوش في ايلول من عام 2002 معلنا عن عد تنازلي لنظام صدام البائد. في تلك الليلة قررت مع جين كتابة ما شاهدته في سجن من سجون صدام، وفي الزنزانة التي تحمل الرقم 52، ذلك الرقم الذي يحمل معه ذكريات اليمة على نفسي.
وفي اذار 2003 دخل كتاب (ميادة ابنة العراق) الى حيز الوجود باللغة الانكليزيه ثم ترجم الى عدة لغات
ومكث الكتاب في قائمة الصانداي تايمز اللندنية للكتب الاحسن مبيعا لعدة اشهر، وكذا الحال في الامارات العربية المتحدة والمانيا والسويد والهند!!
-هنا تكلم مياده صديقتها وزميلتها في الزنزانه عن البراك المدير العام للامن العامة العراقية
تعرفين أن الدكتور فاضل كان الملحق العسكري العراقي لدى الاتحاد السوفيتي قبل أن يصبح المدير العام للامن العامة العراقية، وأيضا كان المسؤول عن التنظيم الحزبي هناك، ويبدو أنه تعلم من ملفات الكي جي بي طرق التعذيب المعقدة التي أكسبته هذا اللقب، فهو شغوف بالوثائق والتاريخ العسكري والتنظيمات..
قالت سمارة :
- كلا،..أنا لا أعرف إلا القليل عن الرجل، لكن ما مررنا به كفيل بتصديق كل ما يقال عنه وعن أمثاله!
نظرت ميادة إلى سمارة تتفحص ردة فعلها وسألتها:
-هل لديك اهتمام لتسمعي عنه ؟
جالت سمارة بنظرها في الغرفة وأشارت بيدها عبر الزنزانة الصغيرة وأجابت:
- طبعا أنا مهتمة، فلا توجد أمور هامة تنتظرني!
وجلست على جانب سرير ميادة التي استرسلت في حديثها:
- سمعت عن الدكتور فاضل قبل أن ألقاه، كنت عائدة لتوّي من بيروت بعد أن ازدادت الحرب الأهلية ضراوة، وتوقفت الدراسة والحياة بصورة عامة، فلم يبق في بيروت سوى القتل والدمار تركت الدراسة لسنة كاملة وعدت لبغداد ولم أجد وظيفة مناسبة، لذلك قررت أن استمر في دراساتي وقبلت في قسم الفيزياء في الجامعة المستنصرية، وهو أمرلاعلاقة له بتخصصي ببيروت .
ذات نهار، تقدمت مني طالبة خجول جدا اسمها فاتن فؤاد وأخبرتني بأن خطيب أختها جنان يعرف عائلة والدتي، أي ساطع الحصري، ويريد الإتصال بها، لكنه فقد رقم هاتفها، هل هناك إمكانية للحصول عليه؟
سألتها من يكون ذلك الرجل فأخبرتني بأنه الدكتور فاضل البراك التكريتي.
لم يعن لي الإسم شيئا، فلم أكن مهتمة بأفراد الحكومة العراقية ولا بعائلة الرئيس وعشيرته، وقد تركت العراق بعد الدراسة الثانوية مباشرة، إلا أن فاتن ذات الوجه الجميل، قادرة على أن تنال ثقة المقابل بنظرة واحدة، لذلك أعطيتها رقم هاتف منزلنا.
بعد انتهاء الحصة عدت إلى البيت وذكرت الإسم لأمي، وبرغم الدهشة التي اعترت وجهها، إلا أنها لم تشر لنفوذ الرجل، فلم أرغب إزعاجها بالأسئلة، وهي تعرف العراق كله.
أيقظني الهاتف في اليوم التالي، فلم أعرف صوت المتكلم،كنت نصف نائمة حين أجبت..طلب المتكلم التحدث مع أمي، فأخبرته ببرود بأنها في العمل.
سألني:
- من أكون؟
فأجبته:
- أنا ابنتها..
فسألني:
- أيهما؟
أخبرته :
-أنني الكبيرة..
فضحك بصوت عال وقال :
- كيف لي أن أجعلك تقولين اسمك؟
ظننت بأن الرجل يسيء الأدب، فطلبت منه الإتصال في وقت آخر، عندما تكون والدتي في المنزل .
قبل إغلاق سماعة الهاتف طلب مني أن أخبر والدتي بأن فاضل البراك اتصل بها وأعطاني رقم هاتفه الخاص، رقم لا يعرفه إلا القليل في العراق، رقم ربما كان أهم رقم في العراق من بعد رقم صدام نفسه!
قابلت فاتن في ذلك اليوم وأخبرتها عن المكالمة الهاتفية الغريبة معه، ضحكت وقالت بأنه يمزح بهذه الطريقة، ثم سحبتني إلى زاوية في أحد ممرات الجامعة وهمست:
- دعيني أخبرك قصة مدهشة كان من المفروض أن يكون خطيب أختي خطيبي.
لاحظت فاتن بأني قد دهشت فعلا مما سمعت منها للتو فأوضحت:
- دعيني أشرح لك، الدكتور فاضل رجل مهم تقدم طالبا يدي للزواج، والدي قاض له آراؤه التي يحافظ عليها وتربطنا علاقة نسب بعائلة الدكتور فاضل، لذا وافق على طلبه، فوالدي من المدرسة القديمة، لذا لم أكن قد رأيت الدكتور فاضل قبل ذلك اليوم حين زارنا للخطبة الرسمية قط.
لبست أحلى ملابسي ورتبت نفسي للقاء من جاء ليخطبني، دخلت غرفة الجلوس وسلمت على خطيبي، ثم دخلت الغرفة أختي التي تصغرني بعامين، وهي بشهادة الجميع من أجمل بنات بغداد، وكنا في البيت قد اعتدنا سماع المديح الذي يكال لها من أقاربنا.
لكن دهشتي ودهشة أهلي كانت متناهية الحدود حين نظر إليها الدكتور فاضل والتفت إلى والدي وقال له :
-أريد خطبة ابنتك هذه!!
في الحقيقة لم تجرح مشاعري أبدا، بل على العكس، شعرت بأن الرجل يتميز بغرابة لا تصدق،وعلى أية حال فإن حاله بالنسبة لي هو حال أي غريب، لم أكن أعرفه ولم أتبادل معه أية كلمة، إلا إني استغربت كثيرا عدم اكتراثه بمشاعر الناس وأحاسيسهم، وبالنظر لهذا اللبس رفضت أختي مبدئيا، لكني أكدت لها أن ذلك لن يؤثر على علاقتنا الوثيقة أوعلى عائلتنا، وذكرتها بأنني قابلت الرجل لتوي ولا توجد لدي أية مشاعر تجاهه، إضافة لذلك فهو رجل متنفذ والكثيرات يتمنين الزواج منه، لذلك وافقت جنان على الزواج من الدكتور فاضل .
هزت سمارة رأسها من جانب لآخر غير مصدقة أذنيها، فأكملت ميادة:
- لقد راقبت يا عزيزتي سمارة وجه فاتن بعناية خلال سردها القصة، وأستطيع الجزم بأنه تم إذلالها، بغض النظرعن إصرارها بأن مشاعرها لم تتعرض للأذى، فهي جميلة بعينيها الخضراوين ووجهها المدور كالدمى وشعرها الكستنائي المترف.
جالت ميادة بعينيها حول الزنزانة قبل أن تلتفت مرة أخرى إلى سمارة وقالت:
- بطبيعة الحال، التقيت بأخت فاتن التي أصبحت زوجة الدكتور فاضل، وهي بحق أجمل امرأة رأيتها في حياتي، فأدركت ردة فعله، فهي فارعة الطول ذات وجه يشبه وجوه الممثلات الأمريكيات ذوات الجمال الكلاسيكي الأخاذ، وأية امرأة أخرى لتبدو جوارها باهتة حتى أختها فاتن ...
كان الدكتور فاضل يصطحب زوجته الجميلة معه إلى بعض المناسبات الرسمية، ويقال أن أحد إخوة صدام جن بها، وخشي الدكتور فاضل أن يجبر على تطليقها، لذا صار لا يخرجها معه لأي مكان عام فيه اختلاط للجنسين .
سألت سمارة كأنها تقطع هذا الشرود الطاريء:
- وكيف تعرفت عائلتك على الدكتور فاضل؟
-كان اتصاله مع والدتي فقط للحصول على كتب جدي ساطع وأوراقه الخاصة التي تحتفظ أمي بها بحرص شديد في منزلنا، بل أنها لم تبعها حتى لمكتبة المتحف البريطاني من شدة اعتزازها بها، وهي ترى فيها كنزا لكل الأجيال وأن قيمتها تتسامى عن أي مال يدفع بها، بل تزداد ثراء كلما تقادمت عليها السنون، لذا فهي حريصة على مساعدة أي باحث يستعين بتلك الأوراق والوثائق والكتب.
أرسل الدكتور فاضل بعض الرجال إلى منزلنا لرش وثائق وكتب وأوراق جدي ساطع بمادة كيماوية خاصة تمنع تلفها من الحشرات .
ثم راح يتردد على منزلنا، فصرت أتعود زيارات هذا الرجل الغريب بمفرده وجلوسه في مكتبتنا، لكني لم أعتد رؤية المسدس الذي يتركه دائما على الطاولة بالقرب منه، مسدس كبير، ربما مما يسمونه عيار13، وكان يتعامل مع سلاحه ذاك كما يتعامل مع كاس ماء أو فنجان قهوة ..
توقفت ميادة عن الحديث وصفنت لحظة ثم أردفت:
- اعتقد يا سمارة بأن الدكتور فاضل كان يعيش في عالمين مختلفين.. عالم الكتب والتأليف والثقافة، وعالم السجون والقتل وشد قبضات الحديد حول رقاب العراقيين، ولا اعتقد أبدا أن الجزء المظلم من حياته يزعجه البتة، أو أنه يضع قناعا متقن الصنع ليخفي معالم الوجه الآخر من شخصيته، إذ يبدو مسترخيا، سعيدا حين يحمل أحد أطفاله الخمسة بين ذراعيه أوحين يتماهى مع أوراق جدي في مكتبتنا.
وتكمل مياده جديثها
الصدى الوحيد الذي تخلف عنه، هو طريقة قتله، وما أشاعته السلطة من خبر ( تآمره وهروبه مع مال كثير، وعمالته لألمانيا، حيث ألقي القبض عليه في الحدود!)..
وهو خبر تضاحك الناس في سرهم على صياغته، فقد تعلم العراقيون كيف يخضون قربة اللبن ليستخلصوا منها الزبد، كذلك يفعلون مع الأخبار والإشاعات التي تروجها السلطة!
وتضيف مياده
نعم.. وأتذكر الذين استعادوا الحرية، ولست ناكرة جميل، أتذكر أيضا المواقف الصعبة التي كنت في خضمها، والتي أثر فيها الدكتور فاضل إيجابا..
طلبت سمارة برقة:
- هلا أخبرتني عنها ؟
ترددت ميادة،إلا أن سمارة حثتها على الكلام،عبر تلك النظرة الودود، فاستجابت لها:
-كنت لا أزال أعيش في بيت والدتي وذات صباح، كنت على وشك مغادرة المنزل للعمل،إذ رن جرس الباب. همت خادمتنا لفتحه وسرعان ما عادت راكضة لتخبرني بأن السيدة جليلة الحيدري، زوجة الدكتور صائب شوكت، على الباب بملابس نومها.
والسيدة جليلة الحيدري أرستقراطية بكل معنى الكلمة، ومن المستحيل مغادرتها غرفة نومها بملابس النوم، فكيف بها وهي على باب منزلنا ! لا بد أن أمرا جللا دفعها لذلك .
هرعت لاستقبالها فوجدتها واقفة أمام الباب تشبه امرأة تم إيقاظها عنوة في منتصف الليل، كانت تبكي فسحبتها إلى الداخل محاولة مني لتهدئتها، لكنها ظلت منهارة إلى أبعد الحدود.
بعد صعوبة ورجاءات وتهدئة أقنعتها بالحديث.
اعتقدت للوهلة الأولى بأنها فقدت عقلها، لأنها بدأت أولا بإعلامي عن مزرعتهم الكائنة في منطقة الدورة، ثم راحت تشرح لي أبعاد المزرعة الضخمة المليئة بأشجار نخيل تجاوز عمرها نصف قرن وبأشجار برتقال متكاثفة تحت النخيل، ثم وصفت مضخة الماء الكبيرة فتحدثت عنها بحرارة وسردت قصة شرائها من بريطانيا وكونها كبيرة بحيث يمكنها ري الأرض كلها ..
ثم تحدثت عن قصة تتعلق بمحافظ بغداد خيرالله طلفاح خال صدام حسين، وهو الرجل الذي رعى صدام منذ طفولته ثم زوجه من إبنته ساجدة، وكان هذا الخال المعروف بجشعه وحرمنته يكثر من زيارته لأرضهم محاولا إقناع زوجها الدكتور صائب شوكت ببيع مزرعة العائلة إليه.
لم يكن الدكتور شوكت إبن الثالثة والثمانين آنذاك راغبا في بيع مزرعته، وكان يعلم يقينا أنه لو باعها لهذا الخال بالذات فلن يحصل على شيء من ثمنها وكلنا نعرف جشع أقارب صدام فهم دائما يطلبون شراء شيء ما ثم يسلبونه ببساطة!
ونتيجة لإصرار (الحجي) خير الله طلفاح، أدرك الدكتور شوكت بأنه سيفقد مزرعته لا محالة، لذلك عرض عليه أن يتناصفها معه، فقبل خير الله العرض وطلب أن يكون له النصف الذي عليه مضخة الماء.
الدكتور شوكت الذي دفع مبالغ كبيرة في هذه المضخة والذي يدرك بأن حياة أشجاره تتوقف عليها، وهي ستموت حتما من دون الماء، رفض بإصرار إلا أن طلفاح غيّر رأيه ثانية وأصر على أنه لن يرضى إلا بالمزرعة كلها.
في صباح اليوم الذي ظهرت فيه جليلة على باب منزلنا، كان أفراد من الأمن العامة وصلوا مبكرين لمنزلها واعتقلوا زوجها الدكتور صائب شوكت، إذ اقتادوه بملابس نومه .
والدكتورصائب من أكبر الجراحين في العراق، وهومؤسس أول كلية طب في العراق، وسبق أن استوزر لوزارة الصحة.
لم أكن لأعرف ماذا يتعين عليّ فعله إزاء مصيبة كهذه؟،
اتصلت بوالدتي التي وصلت توا إلى مكتبها وأخبرتها بما حصل، فانزعجت جدا وطلبت مني الإتصال بالدكتور فاضل فورا.
كانت خائفة من أن يموت الدكتور شوكت لكبر سنه بالسكتة القلبية، إن لم يتم انقاذه بسرعة.
وهكذا اتصلت بالدكتور فاضل وأعلمته القصة، سكت قليلا ثم قال:
- اتصلي الآن بصدام حسين..أن خطه الساخن مفتوح واعلميه بالقصة كاملة.
دهشت، لكني اتبعت التعليمات، فاتصلت برقم صدام وأجابني بنفسه، أخبرته من أكون وأنني أتكلم بالنيابة عن زوجة الدكتور صائب شوكت، ثم نقلت له جزءا من وقائع اعتقال الدكتور شوكت بسبب الأرض أنصت بهدوء، ثم قال:
- اعلمي زوجة الدكتور شوكت بأن كل شيء ستتم معالجته بما يرضيها، وسأرتب الموضوع وأُقابل الدكتور صائب شوكت في الساعة الرابعة عصر اليوم.
أعلمت السيدة جليلة بما قاله صدام حرفيا، فاسترجع وجهها لونه وإن ظلت شوائب قلق تطفو عليه.
بعد خمس دقائق، رن الهاتف، وكان الدكتور فاضل البراك على الخط فقال لي:
- بلغي زوجة الدكتور شوكت بأن زوجها غادر السجن، وهو الآن عائد إلى منزله.
وأغلق الهاتف دون أن يودعني.
بعد ذلك أدركت سبب طلب الدكتور فاضل مني إجراء ذلك الإتصال، إذ من غير اللائق أن يقوم أحد مساعدي صدام حسين، كالدكتور فاضل، بالتنويه إليه بأن خاله لص، إلا أن سماع القصة عبر الهاتف بالنيابة عن الضحية سيكون أقل إحراجا لصدام نفسه.
انتظرت مع زوجة الدكتور شوكت حتى عاد زوجها من السجن بالفعل، وهو بعد في بيجامته، مصدوما ومتوجعا .
أتذكر كلماته الأولى، حين وقف هناك ونظرة استغراب بادية على وجهه وهو يقول:
- كانوا مجموعة من الرجال غير المؤدبين في ذلك السجن، هل تصدقي بأنهم صفعوني!!
وقف نابغة الجراحين العراقيين منكسرا ضعيفا ومنحنيا يمسح بكفه على خده المحمر، استنكارا.
إلا أنه جمع شتات نفسه وارتدى ملابس مناسبة، وغادر إلى القصر الرئاسي للقاء صدام حسين.
بقيت مع زوجته لحين وصول أمي.
أعادت هذه القصة إلى ذهن ميادة، بعد كل هذه السنوات، الموقف المؤلم فقد كان الدكتور صائب وزوجته كبارا في السن، والمكانة الإجتماعية، وهو من الذين خدموا هذا الوطن منذ بداية تأسيس الحكم الوطني في العراق، كان بإمكان جراح عملاق مثله أن يسكن في بريطانيا أو أمريكا، وأن يقدم خدماته هناك إلى مجتمع متحضر يقدر العلم والعلماء، إلا أن حبه لوطنه ابقاه في العراق، وهذه هي النتيجة على يد لص بغداد.
مالت سمارة إلى الأمام قليلا وهي تمرر أصابعها بين خصلات شعرها الموشى بالشيب وسألت:
- ترى ماذا حصل في القصر؟
- غاب الدكتور صائب شوكت لمدة تزيد عن الساعة، وحين عاد أخبرنا بما حدث، فذكر بأن برزان إبراهيم الحسن كان في استقباله عند الباب، وهو اخو صدام غير الشقيق والرجل المتزوج من أخت ساجدة، وخير الله طلفاح خاله ووالد زوجته مثل صدام..
حيا برزان الدكتور شوكت بطريقة مؤدبة وأعلمه أن أبا عدي(صدام) معهم في الغرفة، أدار الدكتور شوكت رأسه لدى سماعه ذلك باحثا في أرجائها عن صدام، إلا انه لم ير أحدا أمامه سوى برزان نفسه، أشار برزان إلى طاولة في منتصف الغرفة، فنظر الدكتور صائب إلى المكان الذي يشير إليه برزان وقال:
- يا بني، أنا كبير في السن ولا أرى جيدا .
سار الدكتور إلى الطاولة وقال بارتباك:
- لا زلت لا أراه.
ضحك برزان ورفع المسجل الكائن على الطاولة وقال:
- إن أبا عدي هنا، وهو يستمع إلينا في هذه اللحظة ونحن نتكلم .
أشار الدكتور شوكت بأنه مرتبك بعد تلك الأحداث السخيفة، إلا أنه شرح لبرزان بكلمات رقيقة قدر الإمكان ما حدث.
كان حذرا في كلماته لأن روايته ستلقى الضوء على ممارسات خير الله طلفاح المشينة والذي هو خال برزان والذي رعى صدام حسين منذ طفولته .
طلب برزان من الدكتور شوكت أن يبلغهما ما حدث بالضبط وألا يهتم بالشكليات، وربت على كتف الدكتور المسن مؤكدا بأن له الأمان وقال:
- والله يا دكتور، لو أن أبا عدي لم يتم إخطاره حول ما حدث لك لتمادى خالنا أكثر!
سكت برزان لحظة ثم أردف:
-لو تركناه على سجيته لنزع عنك حتى هذا المعطف الذي ترتديه!
بعد أن سرد الدكتور القصة لكل من برزان الحاضر أمامه، وصدام الكائن خلف المسجل، قال برزان:
- إذهب يا دكتور بأمان الله وحفظه، وأؤكد لك بأن الحاج خير الله لن يتصل بك بعد اليوم بتاتا.
وهكذا بقيت أرض الدكتور شوكت بيد مالكها الشرعي.
زارنا الدكتور شوكت وزوجته بعد مرور بضعة أيام، كانا مسرورين لخلاصهما من ذلك الكابوس، وقدم لي هدية كبيرة رفضتها وأخبرته بأن رؤية وجهه هي الهدية الأهم بالنسبة لي، وطلبت عوضا عن ذلك أن يمنحني فرصة حواره لمجله " ألف باء" حول تاريخ عمله كطبيب منذ الأيام الاولى لتأسيس الدولة العراقية حتى الآن، فوافق على ذلك بكل سرور.
تم نشر المقابلة، وقرأها صدام حسين، وبعد مضي مدة ليست طويلة، اتصل مكتب صدام بالدكتور شوكت وأعلموه بأن صدام يريد تقليده وساما على جليل أعماله في خدمة العراق.
اتصل الدكتورالبراك وقال ضاحكا والسرور يغمره:
- كنت مسؤولة عن حصول الدكتور شوكت على وسام بدلا من قضاء مدة في السجن!
كنت مع والدتي نتابع التلفاز، أمي سعيدة بسلامة الدكتورشوكت، وما أن تم تقليد الدكتورشوكت الوسام، حتى قفزت من مكاني وتدحرجت على السجادة، فوبختني والدتي وطلبت مني التصرف بشكل لائق.
بقيت مبتسمة ومنشرحة أسابيع عدة، لشعوري بقيمة مساهمتي لإنقاذ هذا العالم المسنّ من مصيرمجهول قد يؤدي إلى موته، ولأن مقابلتي الصحفية معه ساعدت على الإعتراف بنبوغه وخدماته الجليلة ومنحه الوسام الذي يستحق، والأهم من ذلك، يا عزيزتي، إنه حر طليق..المهم أيضا وأولا : أن تظلي مَن أنت!!
ابتسمت سمارة وعلقت:
- فكري يا ميادة، لو أنك لم تتصلي بالدكتور فاضل في ذلك الصباح فماذا كان سيحل بالدكتورشوكت ؟ ربما ما كان سيرى ضوء الشمس بعدها.
ذكرى ذلك النهار النائي، جعلت ميادة تبتسم برغم تعاسة السجن التي تخضبها وتخضها، وتجعلها في حالة ارتعاش داخلي مدمن، كأن العذاب يسري في شرايينها ممزوجا بسم فتاك.
واستدركت مياده قائلة
- هل تصدقين ياسمارة أن الحاج خير الله لم يفقد الأمل بشأن تلك الأرض؟
في العام 1986 رحل الدكتور شوكت بتمهل، بعد سنوات من محاولة اغتصاب أرضه، وبرغم كبر سنه ومرضه وساقه المبتورة بسبب الغرغرينا ودنوه من حافة القبر، فإن(الحاج طلفاح) لم ييأس من محاولة نهب الأرض والمضخة، كأنهما هاجسه الأبدي .
إذ ذهب، بعد مراسم دفن الدكتور صائب شوكت، بموكب قطع المرور في شاع أبي نؤاس، لتتوقف سيارته ولتخطر السيدة جليلة عبر خدمها، بأنه جالس خارج منزلها في سيارته، يروم التحدث إليها .
وبوقارها العالي نزلت السيدة درجات السلم الخارجي المفضي للحديقة الخارجية، وتوجهت صوب السيارة وحين دنت منها، أنزل(الحاج) زجاج نافذته، ودون أن يسلم أو يعزي، زعق بصوته الأجش:
- ها.. هل تبيعين المزرعة الآن يا جليلة خانم ؟
أجابت بلا تردد:
- كلا، إنها الآن ملك الورثة، وليس لي فيها سوى الجزء اليسير جدا .
ماكان من الحاج طلفاح إلا أن أغلق زجاج النافذة، وأمر سائقه، فانطلق (موكبه) إلى غيررجعة !
























27 نوفمبر, 2007 09:25 م